|
بقلم : جبريل إسماعيل سبعي .
أحسِب كل شاعر في لحظة العملية الإبداعية يتموضع في منطقة ما ، فيحتل إما موقعا في داخل ذاته ، لتحيط به ذكرياته وتجاربه الخاصة ، وإما موضعا على خارطة الزمان ، أو المكان ، أو اللغة ، وقد يرمي به قدره في منطقة لا يعلم هو نفسه كنهها ، فيظل في حيرة من أمره ، وفي عجب من تعبيره ، عندما لا يعلم كنه ما يقع في تأثيره .
علما بأن غموض المنطقة التي يحتلها الشاعر ، لا يعني – بالضرورة - غموض التعبير ، وإنما قد يعني بالنسبة للناقد عدم القدرة على الإجابة عن أسئلة الماوراء ، التي تتصدر عادة بـ " لماذا " ، مثل أسئلة : لماذا هذه اللفظة ؟ وهذا الرمز ؟ وهذا الحقل الدلالي ؟ وهذه الصورة ؟ وهذا المعادل الموضوعي ؟ ونحو ذلك .
وإذن فالكشف عن تلك المنطقة ، يعني فيما يعني تجاوز الإجابة عن سؤال ماذا ، إلى الإجابة عن سؤال لماذا ، أي إلى التعليل ، وإضافة إلى ذلك فالكشف عن منطقة الشاعر ، يعني وضع اليد على الزاوية التي ينظر من خلالها ذلك الشاعر ، وعلى تجليات منطقته في نفسه ، وفي فنه ، ولغته ، على اعتبار أن الإنسان ابن بيئته ، وقد تكون البيئة المؤثرة في الإنسان فضاء من صنع خياله .
وعلى أية حال فشاعرنا " أحمد الحربي " لم أتبين – إلى عهد قريب – أين يقف ؟ لذا فقد ظل على الرغم من كثرة قراءتي له ؛ تغلفه هالة من الغموض ، علما بأنه ليس غامض في لغته ، ولا في رؤاه ، فما أشد وضوح حرفه ، ومشاعره ، وفكرته ، وإنما هو غامض من حيث – ظللت زمنا - لم أستطع الإجابة في شعره عن أسئلة لماذا .
واليوم ها أنا أقرؤه في ديوانه الأخير " قادم كلي إليك " فأتبين في تجربته بعض الملامح . أقف عند سارية هنا ، وأمد النظر إلى غيمة هاربة هناك ، وألمح شيئا يمر كالبرق من أمامي ، وآخر يراوغ عن اليمين ، وعن اليسار ، ثم حتى ينجلي بعض الضباب ، فإذا مواويل ترتعش ، وأطيار تعابثني ، على مساحة أيام مثقلة بأحلام تكاد لفرط حرونتها تفر ، وإذا بشاعرنا يتموضع في ذاته ، فيقول :
أنا منبت للطيـب يغرسـه أبـيوترشـه بالطيبـات ( ثـريـا ) أمي التي حلفت بـألا أشتـريقلما ، لأكتـب عمرنـا المنسيـا وأنا المسافر في الدروب ولـيخطا كتبت على وجه الزمان وفيا ومشاعري رقصت بها ألحانهـاالسكرى وترنو للحـروف مليـا
إن الفخر لوذٌ بالذات ، من حيث هي في هذه الأبيات " طيبة المنبت ، وتكتب خطاها على وجه الزمان " وإن مثل هذا العزف على وتر الذات لهو تموضع فيها ، من أجل الحصول على بعض الطمأنينة ، ونلاحظ كيف يحشد شاعرنا في هذه الأبيات ما يمكن أن يغذي ذاته بما هو مطمئن ، كالمنبت الطيب ، والأب ، والأم ، والمشاعر الراقصة .
وعلى الرغم من ذلك فالملاحظ أن الحربي ، لا يمكث في منطقة ذاته طويلا ، ذلك أنه لا يمتدح ذاته دائما ، وها نحن نسمعه في نص آخر يقول :
فما أنا ( عنترة العبسي ) يا حبيبتي ولا أنا قبطان ( تيتانك ) أنا بقايا رحلة تعافك الحياة .
إنه بهذا الاعتراف يغادر منطقة ذاته ، وحتى لنراه يتحول عن فخره ، فما هو إلا " بقايا رحلة " وكذا يتنكر لمنبته ، وأبيه ، وأمه ، والصحة التي كان يتحدث عنها في مشاعره ، فما هو إلا كاليتيم :
أما أنا فقد وقفت كاليتيم عند بابها ولم أجد مظلة تنام في خيالها بقية العلل .
نعم ، لقد غادر شاعرنا ذاته تماما ، ولعل المقطع أعلاه كان قد ألمح إلى وجهة أخرى هي محور اهتمام هذا الشاعر بعد مغادرة ذاته ، ألا وهي المكان ، ولكن إن كان ( أي الشاعر ) في المقطع السابق لماَّ يجد بعد ما تستظل تحته علله ، فإنه في المقطع التالي يقع على المكان الذي سيؤويه ، وسيحنو عليه بدلا من ذاته ، ومن أمه أيضا :
أبكي ولا أحد يكفكـف دمعتـيأشـدو ولا أحـد يـرد علـيـا إلا المرابع حين غالبنـي البكـاجادت بما رحبت علـى عينيـا حنت كأمي ، حين تشرب دمعتيوتذب عن ريـح الصبـا رئتيـا
لقد صارت المرابع تحتوي الشاعر كما كانت احتوته ذاته ، بل إنها لتحتل في نفسه – كما أسلفت – موقعا كموقع أمه ، حين تحنو عليه ( المرابع ) وتجود بمشاهد الأنس والطمأنينة على عينيه ، ومثل هذا الالتجاء للكان إنما هو تموضع فيه ، من حيث إن الإنسان يطلب الملجأ حين تحدق به الهموم ، فيركن إليه ، ويحتمي بحماه ، ويتزود من طاقته ، حين يعوزه المدد والطاقة .
ولكن ، على الرغم من ذلك ، فسرعان ما يغادر شاعرنا مرابعه ، كما كان قد غادر ذاته ، ذلك أن هذا المكان ، والذي كان جاد على العينين بما جاد ، يموت ويتصحر :
تصحر الروض في عيني مبتسماومات بين الرموش الزهر والثمر
من هنا سيبدأ شاعرنا رحلة جديدة أيضا ، وستكون في هذه المرة إلى مفردة أخرى من مفردات العالم ؛ كي يرتمي في أحضانها :
تعالي نمشط جيد المساءِونكتب في غرة الهاجرة تعالي نرقص كل الطيورِعلى لحن أيامنا الغادرة تعالي يسافر فينا الربيـعُويلثم أزهارنا العاطـرة
نلاحظ أن الوجهة صارت إلى الزمان ، سواء أكان الزمان مساء أم هاجرة ، أكان ربيعا أم أياما غادرة ، يقول صاحبنا : هيا نمشط جيده ، ونكتب في غرته ، ونرقِّص الطيور على ألحانه ، ونمنحه أزهارنا يلثمها ، وذلك بالطبع يتضمن الذهاب إلى الزمان ، بل والتموضع فيه ، وليس أدل على هذه الفكرة من القول : " ونكتب في غرة الهاجرة " فالكتابة في الهاجرة ، حضور الذات ، وارتسامها في هذه الهاجرة على نحو ما .
ولئن كان الحال كذلك ؛ إلا أننا لا نلبث – كالعادة – أن نرى شاعرنا يفر مخلفا وراءه كل الأشياء الجميلة ، وعائدا مرة أخرى إلى ما يسميها في هذه المرة " رحلة الردى " :
غار في رحلة الردىمثخن القلب بالعلـل غادر الليل والـرؤىوالمواويل ، والقبـل
بل إنه ليذهب إلى أبعد من مغادرة الزمان وأشيائه الجميلة ، فبعدما كان يدعو حبيبته إلى أن تأت من أجل تمشيط جيد الزمان ، والكتابة في غرته ، ها هو الآن يطلب منها تكذيب الزمان ومخادعته ، ذلك أنه ( أي الشاعر ) لم يعد يريد التموضع في زمانه بشهادة ميلاد ، أو غيرها ، يقول في نص " مدي يديك " :
سألتك بالله لا تكتبي شهادة ميلاد أعمارنا دعينا نكذبها مرة دعينا نخبئ بعض المنى دعينا نخادع أيامنا
بهذه الدعوة يغادر شاعرنا الزمان ، كما كان قبله قد غادر كلا من ذاته ومكانه ، وهو لا يغادر شيئا إلا ليتجه إلى آخر ، لذا فوجهته في هذه المرة إلى حبيبته ذاتها ، بعد أن كان يدعوها معه إلى وجهات مختلفة ، إنه الآن يتجه إليها بكله ، ولعلها المرفأ الأخير ، يقول في نص " قادم كلي إليك " :
قادم كلي إليك .. فاحضني في الأمل .. سافري بي ها هو الجرح اندمل واشربيني رحلة بين المقل .
في هذا المقطع يهم شاعرنا بوضع كل أحماله ، وأثقاله ، بعدما أرهقته " رحلة الردى " فالحبيبة هي الملاذ الأخير ، الذي يتمنى فيه الاستقرار ، والشفاء ، وها هو جرحه الآن يندمل بمرآها ، وإنه ليأمل أيضا أن تحضنه ، وتشربه بين مقلها ، ليضمن السكنى ، وكذا ابتراد حمى الرحيل في عينيها .
ولكن ، ما إن يهدأ بالنا مع هذا الشاعر ، حتى يفاجئنا بارتحال جديد ، وبحقيقة أنه حتى هذه الحبيبة ليست هي المحطة الأخيرة ، التي يبحث عنها ، واسمع إليه حين يقرر في نص " لو قلت لي " :
سيجـف عطـر الغانيـات عـلـىجسر الدموع .. على ( الرواشيني ) ويعيـش حرفـي كلمـا شـرقـتشمـس علـى شــم العرانـيـن
نعم . حتى الغانيات سيجف عطرهن على جسر دموعه ، وسيبقى دائم الترحال . غير أن محطة أخرى تلوح خلال هذين البيتن ، أخص البيت الثاني ، وأقصد تحديدا محطة اللغة ، فما إن يصرف شاعرنا نظره عن الغانيات ، حتى تحضر " الأحرف " على لسانه ( ويعيش حرفي كلما شرقت ) وكأنما هذه الأحرف تقول له : إذا لم تجد لك مستقرا في ذاتك ، ومكانك ، وزمانك ، وحبيبتك ، فإن السكنى في اللغة . من هنا نسمعه يقول في نص " وهم " :
ولا تسأليني لماذا أردد في كل حين ( قفا نبك ) رغم انكساري الحزين .
ها هو يقف في منطقة اللغة ، ويتمثل ما يمكن أن يرد له عافيته من الكلام الشعري ، واللغة منطقة تتسع لحمل ما ينوء به الإنسان ، من الأحزان ، والمآسي ، غير أن النص من عنوانه يشي بموقف مسبق ، وكأن المعني بـ " الوهم " هي اللغة بوصفها محطة يتموضع فيها الشاعر لتمنحه الطمأنينة ، وإن هي في الحقيقة إلا " وهم " لا يسمن ، ولا يغني من جوع :
يا ربة الشعر هد الشعر عافيتـيلون العبارات رهن الصبر والجلد
وإذن فنحن بهذا الترحال الدائم أمام شاعر قلق ، ما إن يستقر في موضع ، أو على حالة ، حتى يشد رحاله إلى غيرها ، باحثا عن ملاذ آمن ، تستقر فيه روحه ، وتشفى جراحه المتجددة ، ولكن هيهات ، ذلك أن الارتحال قدره . ومما يجدر الحديث عنه أن موضوع الرحلة في تجربة " قادم كلي إليك " يحتل مساحة كبيرة ، ذلك أن " الحربي " في لحظة العملية الإبداعية يتموضع في منطقة لا استقرار فيها ، لذا فإنه ما إن يعيش شعريا هذه المنطقة ، حتى تلقي بظلالها عليه ، متجلية في سلوكه إزاء العالم ، وفي فهمه للفن ، وفي لغته ، وفي رؤياه الشعرية ، وسيأتي بيان هذه التجليات لاحقا .
ومن القصائد التي يتحدث فيها شاعرنا عن الرحلة ، ويدعو حبيبته إليها ، بوصفها – أي الرحلة - قدرا يحمل المرتحل بين مفردات العالم ، دون أن يستقر به في مقام ، ودون أن يترك له شيئا ، من تلك القصائد " مدي يديك " .. يقول فيها :
مددت يدي فمدي يديك وهيا بنا تصافحنا رحلة مرة لها ألف وجه لها ألف لون لها ألف طعم لها .. ولها .. ولها .. وليس لنا
نعم . إنها رحلة لها ألف وجه ، وألف لون ، وألف طعم ، كونها مرة تتجه إلى الذات ، ومرة إلى المكان ، ومرة إلى الزمان ، ومرة إلى الحبيبة ، ومرة إلى اللغة ، وليس للشاعر شيء ، كونه دائما يترك ما قد فر إليه ، فليس يقترب هذا الشاعر من شيء إلا ليبتعد ، وليس يقر إلا ليفر ، وليس يضحك إلا ليحزن ، وليس يأخذ إلا ليترك ، وليت شعري عن أي شيء يبحث .
إن هذه المنطقة الإبداعية – أقصد منطقة اللاستقرار – ستخلف في نفس شاعرنا قلقا ، وضياعا ، وحيرة ، ومن ثم سترسم الواقع في خياله معطى من العبث ، والخداع ، والمخاتلة ، والخذلان ، وستتجاوز ذلك إلى اللغة حين ستفرض تلك المنطقة تارة معجم " الجري والفرار والسفر " وتارة أخرى الظرف " بين " الذي سيسجل حضورا لافتا دون غيره ، كونه الأقدر على رسم صورة التردد بين مفردات العالم ، وستتجلى تلك المنطقة أيضا في الرؤيا الشعرية ، التي ستمجد الفوضى متجسدة في البعثرة والنثر والتمزيق ، ذلك أن هذه الأشياء ستغدو هي الخيارات الأجمل في منطقة لا تعرف استقرارا . ولعلي أبدأ بطرح الشواهد على الحالات النفسية التي ستخلعها تلك المنطقة في نفس شاعرنا ، ومن ثم سيخلعها هو على العالم :
وغني في متاهاتي البعيدة / كل المساءات حيرى لا نجوم لها / لن يرسم البدر إلا لوحة القلق .
إن الذات الشاعرة هنا تعاني قدْرا من الضياع ، والحيرة ، والقلق ، الذي عادة يخلفه في النفس السفرُ ، ومادامت الذات كذلك ، إذن ستخلع ما تعانيه على العالم ، وإذا به هي ، من هنا فالمكان متاهات ، ولك أن تتأمل لفظة " البعيدة " والتي إنما يشعر بها أكثر ما يشعر المسافر ، وكذا المساءات حيرى ، ولك أيضا فرصة أن تتأمل عبارة " لا نجوم لها " فالمسافر إنما يهتدي إذا احتار بالنجم ، وها هو البدر حتى البدر لن يرسم إلا لوحة القلق ، وكأن العالم أصبح صورة للذات في سفرها ، وضياعها ، وحيرتها ، وقلقها .
وانطلاقا من أن الذات تخلع ما تعانيه على العالم ، فإن إحساس شاعرنا بلا جدوى ارتحاله ، وعدم فائدة ترداده بين مفردات العالم ، سيصور العالم في منظوره سرابا ، وسيصبح العبثُ والمعابثةُ بعد طول معاقرة سرَّ جمالٍ ، لذا فهو يقول :
وعابثي كل ذي لب بلا رشد / نعابث الحياة / وعابثي سرابها .
والمعابثة تجمل في حق السراب ، ومن لا رشد له ، وهكذا هي الحياة . أيضا تطالعنا في هذه التجربة الشعرية جماليات أخرى مفرداتها التمزيق ، والبعثرة ، والنثر ، والتقطيع ، والتشظية ، ذلك أنه مادام العالم متاهاتٍ ، وسراباً ، فإذن كل محاولة للوصول إلى معنى فيه ، أو نظام ، أو قيمة إنما هي في الحقيقة تشتت وانحلال ، وعلى هذا سيصبح الانحلال هو ذاته جمالا ، بوصفه محصلة واقع فني :
مزقي أستار أعماقي / ومزقت أستارها أحرفا / كنا كطفلين لا ندري يمزقنا صمت السنين / وألحاني ممزقة الوتر وانثريني في الزوايا / فنثرت أحلامي على شرفتها / نثرت ما فر من دمعي على جدب / بعثري في القصيدة / مهجة تتشظى / طيري على مهجتي لو قطعت قطعا / وأن أشلاءها للموت مدكر
هذا الانحلال بوصفه دعوة للتطبيق ، ونهجا في الرؤيا الشعرية ، لا يأتي اعتباطا – كما أسلفت - وإنما هو أحد تجليات اللاستقرار ، ويتحول من كونه مستقبحا في الواقع ، إلى عنصر جميل في التجربة الشعرية ، والتجارب الشعرية العظيمة إذ تقطع صلتها بمنطق الواقع ، فإنها - في اللحظة نفسها - تؤسس منطقها الفني الخاص على رؤيا تستشفها من عالم بعيد مختلف ، وهذا ما يفسر كيف أصبح نثر الدموع جميلا :
نثرتُ ما فر من دمعي على جدبفاخضـرت الأشيـاء والصـور
وإضافة إلى هذه التجليات النفسية ، والفنية ، في التعامل مع العالم وأشيائه ، شحنا بحمولة الذات من ضياع ، وحيرة ، وقلق ، أو تعاطيا معه بمنطق المعابثة ، والنثر ، والبعثرة ، والتمزيق ، أقول إضافة إلى هذه التجليات هنالك أيضا تجليات أخرى لما أسميته " منطقة اللاستقرار " تتجسد ( أي التجليات ) في التعامل مع مفردات اللغة اختيارا ، وتشكيلا ، ولنتأمل قول الحربي في نص " بقايا الصحو " :
تعالي هناك ومري على شرفة الأمنيات على الأمس .. ألوانه الشاحبة سيأتي وحيدا .. يبلل خديه قطر الندى وتغسله غيمة هاربة .
نلاحظ كيف يتجلى تأثير تلك المنطقة لغويا ، أولا : في عبارة " تعالي هناك " فتعالي إنما تكون لـ " هنا " ولكن الشاعر ما إن يقول : " تعالي " حتى يشير إلى هناك ، وكأنما قد انعكس ترحاله بين مفردات العالم على لغته ، ليقيم بين مفرداتها علاقة جديدة ، تحاكي العلاقة التي كان أقامها في خياله بين الأشياء ، وأما على مستوى العلاقات بين الألفاظ ذات الدلالات الزمانية كأسماء الزمان والأفعال ، فالملاحظ أن الظاهرة أوضح ، فما إن يقول : " على الأمس " حتى ينتقل إلى المستقبل في عبارة " سيأتي وحيدا " ومنه إلى الحاضر في قوله : " يبلل خديه ، وتغسله غيمة " وهذه انتقالات على مستوى اللفظ الزماني ، تماثل – بالتأكيد – تلك الانتقالات المتخيلة ، ولعل " الغيمة الهاربة " التي تلوح خلال هذا المقطع هي رمز ينوب عن الذات ، في منطقة اللاستقرار تلك .
وعلى أية حال فالهرب الذي تعيشه هذه الغيمة ليس أمرا طارئا ، وليس مجرد حلية تتحلى بها الصورة ، لتبدو طريفة أو نحو ذلك ، إن الهرب وحقله الدلالي الذي يضم " الجري ، والفرار ، والسفر " لهو تجل صارخ لوجود الشاعر في منطقة قلقة ، تلقي بظلالها في نفسه ، فلا يكاد يقر به الحال في متخيل حتى يغادره ، ومن هنا كان شاعرنا مسافرا أبدا ، وهاربا أبدا ، ولك أن تتأمل الحقل الدلالي المشحون بهذه المعاني :
سافري نورا ونوارا / سافري بي / وأنا المسافر في الدروب / ملَّك السفر / تعالي يسافر فينا الربيع / يا مهجة العمر المسافر / يرسمها السناء على مسافات السفر ... / وهربت في وجع النهار عشيا / وأنت أدرى بالمشاعر حين تهرب من مخابئها الدفينة .. أنا في كل سارحة أجري / رأيتك تجرين .. وأنا يا هند وجه فر من عقد / أفر من وشوشات الطير في شجني / تفر في جمجمتي قصائد الملل / ليته فر خلسة ..
وهناك تجل آخر ، يبرز عندما يبحث شاعرنا عن رموزه ، فيقع على " الشراع " رمزا للسفر ، والرهق ، والتوهان ، ذلك أن الشراع مساراته في البحر غير واضحة ، إضافة إلى ما قد يلاقيه من أهوال . من هنا كان " الشراع " ومن قبله " الغيمة " أنسب ما يرمز بها شاعرنا إلى ترحاله الدائم :
سافري نورا ونوارا وفيئا من غمام مزقي أستار أعماقي ، وغوصي حيثما تلقين فيها نبض قلبي وبقايا من حطام ..
إن هذا المقطع إضافة إلى كونه محملا بكل ما تحدثنا عنه من سفر وتمزق ، يجمع بين رمز " الغمام " مذكورا صراحة ، و " الشراع " تلميحا ، وإنه ليخيل إلينا البحر من خلال لواحقه كالأعماق ، والغوص ، والحطام ، في حين لا يوجد أساسا بحر ، وإذا كان الأمر كذلك ، فإن الشراع في مواضع عدة يذكر صراحة ، كما في الأبيات التالية :
سرى بها عبر وديـان النهـى ألقـاشراعه الليل ، والتسهيد ، والسهر . وتراقصـت فـي الأفـق أشـرعـةخفـاقـة .. ألوانـهـا الـسـحـر إني على العهد ، ما لونت ساريتـيعلى الشراع ، ولن أبكي على الطرق أنـت مازلـت انبلاجـا كالضحـىوأنـا يطـوي شـراعـي الطـفـل
وإذا علمنا أن " الشراع " هو الرمز الذي سيختزل كل معاني السفر ، والرهق ، واللاستقرار ؛ أدركنا لماذا كان الحديث عن التمزيق ، والتقطيع ، وإنها لحالات تعتور الشاعر معنويا ، والشراع حسيا ، والملاحظ على الأبيات السابقة أنها إذ تقرن الأشرعة بالليل ، والطَّفَلِ ، والتسهيد ، تجعلها خفاقة ألوانها السحر ، وهذه الألوان لا تتغير ، مثلما أن الشاعر سيظل على عهده ، ولن يبكي على الطرق .
هذا ، ولعلي في نهاية هذه القراءة أختم بنص تتجسد فيه رؤيا اللاستقرار ، ممتدة إلى اللحظات السعيدة ، لتجعلها متذبذبة ، غير مستقرة ، من خلال استخدام ظرف المكان " بين " الذي يتأسس عليه النص عنوانا ، ومتنا . يقول شاعرنا في نص " بين بين " :
خبأ العيد بعيني دمعتين وبكفي جمرتين فاختفى وجه طريقي هاربا في غصتين فلهذا يا صديقي كان عيدي ( بين بين ) |