صفحة البداية
السيرة الذاتية
أخــبار
الـتسجيل
مكتبة الموقع
المنتدى
دليل المواقع
إضافة موقع
سجل الزوار
إضافة توقيع
راسلنا
الاعضاء

 

محرك البحث





بحث متقدم

 

تسجيل الدخول



المستخدم
كلمة المرور

إرسال البيانات؟
تفعيل الاشتراك

 

إحصائيات

عدد الاعضاء: 7
مشاركات الاخبار: 37
مشاركات المنتدى: 12
مشاركات البرامج : 2
مشاركات التوقيعات: 39
مشاركات المواقع: 8
مشاركات الردود: 228
 

المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :2
من الضيوف : 2
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 33340
عدد الزيارات اليوم : 61
أكثر عدد زيارات كان : 1499
في تاريخ : 15 /06 /2009

 


موقع الشاعر أحمد الحربي » الأخبار » دراسات حول نتاج الحربي


جماليات العبث والفوضى .. قراءة لـ ( أحمد الحربي )

  
بقلم : جبريل إسماعيل سبعي . أحسِب كل شاعر في لحظة العملية الإبداعية يتموضع في منطقة ما ، فيحتل إما موقعا في داخل ذاته ، لتحيط به ذكرياته وتجاربه الخاصة ، وإما موضعا على خارطة الزمان ، أو المكان ، أو اللغة ، وقد يرمي به قدره في منطقة لا يعلم هو نفسه كنهها ، فيظل في حيرة من أمره ، وفي عجب من تعبيره ، عندما لا يعلم كنه ما يقع في تأثيره .
علما بأن غموض المنطقة التي يحتلها الشاعر ، لا يعني – بالضرورة - غموض التعبير ، وإنما قد يعني بالنسبة للناقد عدم القدرة على الإجابة عن أسئلة الماوراء ، التي تتصدر عادة بـ " لماذا " ، مثل أسئلة : لماذا هذه اللفظة ؟ وهذا الرمز ؟ وهذا الحقل الدلالي ؟ وهذه الصورة ؟ وهذا المعادل الموضوعي ؟ ونحو ذلك .
 
وإذن فالكشف عن تلك المنطقة ، يعني فيما يعني تجاوز الإجابة عن سؤال ماذا ، إلى الإجابة عن سؤال لماذا ، أي إلى التعليل ، وإضافة إلى ذلك فالكشف عن منطقة الشاعر ، يعني وضع اليد على الزاوية التي ينظر من خلالها ذلك الشاعر ، وعلى تجليات منطقته في نفسه ، وفي فنه ، ولغته ، على اعتبار أن الإنسان ابن بيئته ، وقد تكون البيئة المؤثرة في الإنسان فضاء من صنع خياله .
 
وعلى أية حال فشاعرنا " أحمد الحربي " لم أتبين – إلى عهد قريب – أين يقف ؟ لذا فقد ظل على الرغم من كثرة قراءتي له ؛ تغلفه هالة من الغموض ، علما بأنه ليس غامض في لغته ، ولا في رؤاه ، فما أشد وضوح حرفه ، ومشاعره ، وفكرته ، وإنما هو غامض من حيث – ظللت زمنا - لم أستطع الإجابة في شعره عن أسئلة لماذا .
 
واليوم ها أنا أقرؤه في ديوانه الأخير " قادم كلي إليك " فأتبين في تجربته بعض الملامح . أقف عند سارية هنا ، وأمد النظر إلى غيمة هاربة هناك ، وألمح شيئا يمر كالبرق من أمامي ، وآخر يراوغ عن اليمين ، وعن اليسار ، ثم حتى ينجلي بعض الضباب ، فإذا مواويل ترتعش ، وأطيار تعابثني ، على مساحة أيام مثقلة بأحلام تكاد لفرط حرونتها تفر ، وإذا بشاعرنا يتموضع في ذاته ، فيقول :
 
 
 

أنا منبت للطيـب يغرسـه أبـيوترشـه بالطيبـات ( ثـريـا )
أمي التي حلفت بـألا  أشتـريقلما ، لأكتـب عمرنـا المنسيـا
وأنا المسافر في الدروب  ولـيخطا كتبت على وجه الزمان وفيا
ومشاعري رقصت بها  ألحانهـاالسكرى وترنو للحـروف مليـا
 
 
 
إن الفخر لوذٌ بالذات ، من حيث هي في هذه الأبيات " طيبة المنبت ، وتكتب خطاها على وجه الزمان " وإن مثل هذا العزف على وتر الذات لهو تموضع فيها ، من أجل الحصول على بعض الطمأنينة ، ونلاحظ كيف يحشد شاعرنا في هذه الأبيات ما يمكن أن يغذي ذاته بما هو مطمئن ، كالمنبت الطيب ، والأب ، والأم ، والمشاعر الراقصة .
 
وعلى الرغم من ذلك فالملاحظ أن الحربي ، لا يمكث في منطقة ذاته طويلا ، ذلك أنه لا يمتدح ذاته دائما ، وها نحن نسمعه في نص آخر يقول :
 
فما أنا
( عنترة العبسي )
يا حبيبتي
ولا أنا قبطان ( تيتانك )
أنا بقايا رحلة
تعافك الحياة .
 
إنه بهذا الاعتراف يغادر منطقة ذاته ، وحتى لنراه يتحول عن فخره ، فما هو إلا " بقايا رحلة " وكذا يتنكر لمنبته ، وأبيه ، وأمه ، والصحة التي كان يتحدث عنها في مشاعره ، فما هو إلا كاليتيم :
 
أما أنا
فقد وقفت
كاليتيم عند بابها
ولم أجد مظلة
تنام في خيالها
بقية العلل .
 
نعم ، لقد غادر شاعرنا ذاته تماما ، ولعل المقطع أعلاه كان قد ألمح إلى وجهة أخرى هي محور اهتمام هذا الشاعر بعد مغادرة ذاته ، ألا وهي المكان ، ولكن إن كان ( أي الشاعر ) في المقطع السابق لماَّ يجد بعد ما تستظل تحته علله ، فإنه في المقطع التالي يقع على المكان الذي سيؤويه ، وسيحنو عليه بدلا من ذاته ، ومن أمه أيضا :
 
 
 

أبكي ولا أحد يكفكـف دمعتـيأشـدو ولا أحـد يـرد علـيـا
إلا المرابع حين غالبنـي البكـاجادت بما رحبت علـى  عينيـا
حنت كأمي ، حين تشرب دمعتيوتذب عن ريـح الصبـا رئتيـا
 
 
 
لقد صارت المرابع تحتوي الشاعر كما كانت احتوته ذاته ، بل إنها لتحتل في نفسه – كما أسلفت – موقعا كموقع أمه ، حين تحنو عليه ( المرابع ) وتجود بمشاهد الأنس والطمأنينة على عينيه ، ومثل هذا الالتجاء للكان إنما هو تموضع فيه ، من حيث إن الإنسان يطلب الملجأ حين تحدق به الهموم ، فيركن إليه ، ويحتمي بحماه ، ويتزود من طاقته ، حين يعوزه المدد والطاقة .
 
ولكن ، على الرغم من ذلك ، فسرعان ما يغادر شاعرنا مرابعه ، كما كان قد غادر ذاته ، ذلك أن هذا المكان ، والذي كان جاد على العينين بما جاد ، يموت ويتصحر :
 
 
 

تصحر الروض في عيني مبتسماومات بين الرموش الزهر والثمر
 
 
 
من هنا سيبدأ شاعرنا رحلة جديدة أيضا ، وستكون في هذه المرة إلى مفردة أخرى من مفردات العالم ؛ كي يرتمي في أحضانها :
 
 
 

تعالي نمشط جيد  المساءِونكتب في غرة الهاجرة
تعالي نرقص كل الطيورِعلى لحن أيامنا  الغادرة
تعالي يسافر فينا الربيـعُويلثم أزهارنا  العاطـرة
 
 
 
نلاحظ أن الوجهة صارت إلى الزمان ، سواء أكان الزمان مساء أم هاجرة ، أكان ربيعا أم أياما غادرة ، يقول صاحبنا : هيا نمشط جيده ، ونكتب في غرته ، ونرقِّص الطيور على ألحانه ، ونمنحه أزهارنا يلثمها ، وذلك بالطبع يتضمن الذهاب إلى الزمان ، بل والتموضع فيه ، وليس أدل على هذه الفكرة من القول : " ونكتب في غرة الهاجرة " فالكتابة في الهاجرة ، حضور الذات ، وارتسامها في هذه الهاجرة على نحو ما .
 
ولئن كان الحال كذلك ؛ إلا أننا لا نلبث – كالعادة – أن نرى شاعرنا يفر مخلفا وراءه كل الأشياء الجميلة ، وعائدا مرة أخرى إلى ما يسميها في هذه المرة " رحلة الردى " :
 
 
 

غار في رحلة الردىمثخن القلب بالعلـل
غادر الليل والـرؤىوالمواويل ، والقبـل
 
 
 
بل إنه ليذهب إلى أبعد من مغادرة الزمان وأشيائه الجميلة ، فبعدما كان يدعو حبيبته إلى أن تأت من أجل تمشيط جيد الزمان ، والكتابة في غرته ، ها هو الآن يطلب منها تكذيب الزمان ومخادعته ، ذلك أنه ( أي الشاعر ) لم يعد يريد التموضع في زمانه بشهادة ميلاد ، أو غيرها ، يقول في نص " مدي يديك " :
 
سألتك بالله لا تكتبي
شهادة ميلاد أعمارنا
دعينا
نكذبها مرة
دعينا نخبئ بعض المنى
دعينا نخادع أيامنا
 
بهذه الدعوة يغادر شاعرنا الزمان ، كما كان قبله قد غادر كلا من ذاته ومكانه ، وهو لا يغادر شيئا إلا ليتجه إلى آخر ، لذا فوجهته في هذه المرة إلى حبيبته ذاتها ، بعد أن كان يدعوها معه إلى وجهات مختلفة ، إنه الآن يتجه إليها بكله ، ولعلها المرفأ الأخير ، يقول في نص " قادم كلي إليك " :
 
قادم كلي إليك ..
فاحضني في الأمل ..
سافري بي
ها هو الجرح اندمل
واشربيني رحلة بين المقل .
 
في هذا المقطع يهم شاعرنا بوضع كل أحماله ، وأثقاله ، بعدما أرهقته " رحلة الردى " فالحبيبة هي الملاذ الأخير ، الذي يتمنى فيه الاستقرار ، والشفاء ، وها هو جرحه الآن يندمل بمرآها ، وإنه ليأمل أيضا أن تحضنه ، وتشربه بين مقلها ، ليضمن السكنى ، وكذا ابتراد حمى الرحيل في عينيها .
 
ولكن ، ما إن يهدأ بالنا مع هذا الشاعر ، حتى يفاجئنا بارتحال جديد ، وبحقيقة أنه حتى هذه الحبيبة ليست هي المحطة الأخيرة ، التي يبحث عنها ، واسمع إليه حين يقرر في نص " لو قلت لي " :
 
 
 

سيجـف عطـر الغانيـات عـلـىجسر الدموع .. على ( الرواشيني )
ويعيـش حرفـي كلمـا شـرقـتشمـس علـى شــم  العرانـيـن
 
 
 
نعم . حتى الغانيات سيجف عطرهن على جسر دموعه ، وسيبقى دائم الترحال . غير أن محطة أخرى تلوح خلال هذين البيتن ، أخص البيت الثاني ، وأقصد تحديدا محطة اللغة ، فما إن يصرف شاعرنا نظره عن الغانيات ، حتى تحضر " الأحرف " على لسانه ( ويعيش حرفي كلما شرقت ) وكأنما هذه الأحرف تقول له : إذا لم تجد لك مستقرا في ذاتك ، ومكانك ، وزمانك ، وحبيبتك ، فإن السكنى في اللغة . من هنا نسمعه يقول في نص " وهم " :
 
ولا تسأليني
لماذا أردد في كل حين
( قفا نبك )
رغم انكساري الحزين .
 
ها هو يقف في منطقة اللغة ، ويتمثل ما يمكن أن يرد له عافيته من الكلام الشعري ، واللغة منطقة تتسع لحمل ما ينوء به الإنسان ، من الأحزان ، والمآسي ، غير أن النص من عنوانه يشي بموقف مسبق ، وكأن المعني بـ " الوهم " هي اللغة بوصفها محطة يتموضع فيها الشاعر لتمنحه الطمأنينة ، وإن هي في الحقيقة إلا " وهم " لا يسمن ، ولا يغني من جوع :
 
 
 

يا ربة الشعر هد الشعر عافيتـيلون العبارات رهن الصبر والجلد
 
 
 
وإذن فنحن بهذا الترحال الدائم أمام شاعر قلق ، ما إن يستقر في موضع ، أو على حالة ، حتى يشد رحاله إلى غيرها ، باحثا عن ملاذ آمن ، تستقر فيه روحه ، وتشفى جراحه المتجددة ، ولكن هيهات ، ذلك أن الارتحال قدره . ومما يجدر الحديث عنه أن موضوع الرحلة في تجربة " قادم كلي إليك " يحتل مساحة كبيرة ، ذلك أن " الحربي " في لحظة العملية الإبداعية يتموضع في منطقة لا استقرار فيها ، لذا فإنه ما إن يعيش شعريا هذه المنطقة ، حتى تلقي بظلالها عليه ، متجلية في سلوكه إزاء العالم ، وفي فهمه للفن ، وفي لغته ، وفي رؤياه الشعرية ، وسيأتي بيان هذه التجليات لاحقا .
 
ومن القصائد التي يتحدث فيها شاعرنا عن الرحلة ، ويدعو حبيبته إليها ، بوصفها – أي الرحلة - قدرا يحمل المرتحل بين مفردات العالم ، دون أن يستقر به في مقام ، ودون أن يترك له شيئا ، من تلك القصائد " مدي يديك " .. يقول فيها :
 
مددت يدي
فمدي يديك
وهيا بنا
تصافحنا رحلة مرة
لها ألف وجه
لها ألف لون
لها ألف طعم
لها .. ولها .. ولها ..
وليس لنا
 
نعم . إنها رحلة لها ألف وجه ، وألف لون ، وألف طعم ، كونها مرة تتجه إلى الذات ، ومرة إلى المكان ، ومرة إلى الزمان ، ومرة إلى الحبيبة ، ومرة إلى اللغة ، وليس للشاعر شيء ، كونه دائما يترك ما قد فر إليه ، فليس يقترب هذا الشاعر من شيء إلا ليبتعد ، وليس يقر إلا ليفر ، وليس يضحك إلا ليحزن ، وليس يأخذ إلا ليترك ، وليت شعري عن أي شيء يبحث .
 
إن هذه المنطقة الإبداعية – أقصد منطقة اللاستقرار – ستخلف في نفس شاعرنا قلقا ، وضياعا ، وحيرة ، ومن ثم سترسم الواقع في خياله معطى من العبث ، والخداع ، والمخاتلة ، والخذلان ، وستتجاوز ذلك إلى اللغة حين ستفرض تلك المنطقة تارة معجم " الجري والفرار والسفر " وتارة أخرى الظرف " بين " الذي سيسجل حضورا لافتا دون غيره ، كونه الأقدر على رسم صورة التردد بين مفردات العالم ، وستتجلى تلك المنطقة أيضا في الرؤيا الشعرية ، التي ستمجد الفوضى متجسدة في البعثرة والنثر والتمزيق ، ذلك أن هذه الأشياء ستغدو هي الخيارات الأجمل في منطقة لا تعرف استقرارا . ولعلي أبدأ بطرح الشواهد على الحالات النفسية التي ستخلعها تلك المنطقة في نفس شاعرنا ، ومن ثم سيخلعها هو على العالم :
 
وغني في متاهاتي البعيدة / كل المساءات حيرى لا نجوم لها / لن يرسم البدر إلا لوحة القلق .
 
إن الذات الشاعرة هنا تعاني قدْرا من الضياع ، والحيرة ، والقلق ، الذي عادة يخلفه في النفس السفرُ ، ومادامت الذات كذلك ، إذن ستخلع ما تعانيه على العالم ، وإذا به هي ، من هنا فالمكان متاهات ، ولك أن تتأمل لفظة " البعيدة " والتي إنما يشعر بها أكثر ما يشعر المسافر ، وكذا المساءات حيرى ، ولك أيضا فرصة أن تتأمل عبارة " لا نجوم لها " فالمسافر إنما يهتدي إذا احتار بالنجم ، وها هو البدر حتى البدر لن يرسم إلا لوحة القلق ، وكأن العالم أصبح صورة للذات في سفرها ، وضياعها ، وحيرتها ، وقلقها .
 
وانطلاقا من أن الذات تخلع ما تعانيه على العالم ، فإن إحساس شاعرنا بلا جدوى ارتحاله ، وعدم فائدة ترداده بين مفردات العالم ، سيصور العالم في منظوره سرابا ، وسيصبح العبثُ والمعابثةُ بعد طول معاقرة سرَّ جمالٍ ، لذا فهو يقول :
 
وعابثي كل ذي لب بلا رشد / نعابث الحياة / وعابثي سرابها .
 
والمعابثة تجمل في حق السراب ، ومن لا رشد له ، وهكذا هي الحياة . أيضا تطالعنا في هذه التجربة الشعرية جماليات أخرى مفرداتها التمزيق ، والبعثرة ، والنثر ، والتقطيع ، والتشظية ، ذلك أنه مادام العالم متاهاتٍ ، وسراباً ، فإذن كل محاولة للوصول إلى معنى فيه ، أو نظام ، أو قيمة إنما هي في الحقيقة تشتت وانحلال ، وعلى هذا سيصبح الانحلال هو ذاته جمالا ، بوصفه محصلة واقع فني :
 
مزقي أستار أعماقي / ومزقت أستارها أحرفا / كنا كطفلين لا ندري يمزقنا صمت السنين / وألحاني ممزقة الوتر
وانثريني في الزوايا / فنثرت أحلامي على شرفتها / نثرت ما فر من دمعي على جدب /
بعثري في القصيدة / مهجة تتشظى / طيري على مهجتي لو قطعت قطعا / وأن أشلاءها للموت مدكر
 
هذا الانحلال بوصفه دعوة للتطبيق ، ونهجا في الرؤيا الشعرية ، لا يأتي اعتباطا – كما أسلفت - وإنما هو أحد تجليات اللاستقرار ، ويتحول من كونه مستقبحا في الواقع ، إلى عنصر جميل في التجربة الشعرية ، والتجارب الشعرية العظيمة إذ تقطع صلتها بمنطق الواقع ، فإنها - في اللحظة نفسها - تؤسس منطقها الفني الخاص على رؤيا تستشفها من عالم بعيد مختلف ، وهذا ما يفسر كيف أصبح نثر الدموع جميلا :
 
 
 

نثرتُ ما فر من دمعي على جدبفاخضـرت الأشيـاء والصـور
 
 
 
وإضافة إلى هذه التجليات النفسية ، والفنية ، في التعامل مع العالم وأشيائه ، شحنا بحمولة الذات من ضياع ، وحيرة ، وقلق ، أو تعاطيا معه بمنطق المعابثة ، والنثر ، والبعثرة ، والتمزيق ، أقول إضافة إلى هذه التجليات هنالك أيضا تجليات أخرى لما أسميته " منطقة اللاستقرار " تتجسد ( أي التجليات ) في التعامل مع مفردات اللغة اختيارا ، وتشكيلا ، ولنتأمل قول الحربي في نص " بقايا الصحو " :
 
تعالي هناك
ومري على شرفة الأمنيات
على الأمس .. ألوانه الشاحبة
سيأتي وحيدا ..
يبلل خديه قطر الندى
وتغسله غيمة هاربة .
 
نلاحظ كيف يتجلى تأثير تلك المنطقة لغويا ، أولا : في عبارة " تعالي هناك " فتعالي إنما تكون لـ " هنا " ولكن الشاعر ما إن يقول : " تعالي " حتى يشير إلى هناك ، وكأنما قد انعكس ترحاله بين مفردات العالم على لغته ، ليقيم بين مفرداتها علاقة جديدة ، تحاكي العلاقة التي كان أقامها في خياله بين الأشياء ، وأما على مستوى العلاقات بين الألفاظ ذات الدلالات الزمانية كأسماء الزمان والأفعال ، فالملاحظ أن الظاهرة أوضح ، فما إن يقول : " على الأمس " حتى ينتقل إلى المستقبل في عبارة " سيأتي وحيدا " ومنه إلى الحاضر في قوله : " يبلل خديه ، وتغسله غيمة " وهذه انتقالات على مستوى اللفظ الزماني ، تماثل – بالتأكيد – تلك الانتقالات المتخيلة ، ولعل " الغيمة الهاربة " التي تلوح خلال هذا المقطع هي رمز ينوب عن الذات ، في منطقة اللاستقرار تلك .
 
وعلى أية حال فالهرب الذي تعيشه هذه الغيمة ليس أمرا طارئا ، وليس مجرد حلية تتحلى بها الصورة ، لتبدو طريفة أو نحو ذلك ، إن الهرب وحقله الدلالي الذي يضم " الجري ، والفرار ، والسفر " لهو تجل صارخ لوجود الشاعر في منطقة قلقة ، تلقي بظلالها في نفسه ، فلا يكاد يقر به الحال في متخيل حتى يغادره ، ومن هنا كان شاعرنا مسافرا أبدا ، وهاربا أبدا ، ولك أن تتأمل الحقل الدلالي المشحون بهذه المعاني :
 
سافري نورا ونوارا / سافري بي / وأنا المسافر في الدروب / ملَّك السفر / تعالي يسافر فينا الربيع / يا مهجة العمر المسافر / يرسمها السناء على مسافات السفر ...
/ وهربت في وجع النهار عشيا / وأنت أدرى بالمشاعر حين تهرب من مخابئها الدفينة ..
أنا في كل سارحة أجري / رأيتك تجرين ..
وأنا يا هند وجه فر من عقد / أفر من وشوشات الطير في شجني / تفر في جمجمتي قصائد الملل / ليته فر خلسة ..
 
وهناك تجل آخر ، يبرز عندما يبحث شاعرنا عن رموزه ، فيقع على " الشراع " رمزا للسفر ، والرهق ، والتوهان ، ذلك أن الشراع مساراته في البحر غير واضحة ، إضافة إلى ما قد يلاقيه من أهوال . من هنا كان " الشراع " ومن قبله " الغيمة " أنسب ما يرمز بها شاعرنا إلى ترحاله الدائم :
 
سافري نورا ونوارا
وفيئا من غمام
مزقي أستار أعماقي ،
وغوصي حيثما تلقين
فيها نبض قلبي
وبقايا من حطام ..
 
إن هذا المقطع إضافة إلى كونه محملا بكل ما تحدثنا عنه من سفر وتمزق ، يجمع بين رمز " الغمام " مذكورا صراحة ، و " الشراع " تلميحا ، وإنه ليخيل إلينا البحر من خلال لواحقه كالأعماق ، والغوص ، والحطام ، في حين لا يوجد أساسا بحر ، وإذا كان الأمر كذلك ، فإن الشراع في مواضع عدة يذكر صراحة ، كما في الأبيات التالية :
 
 
 

سرى بها عبر وديـان النهـى  ألقـاشراعه الليل ، والتسهيد ، والسهر  .
وتراقصـت فـي الأفـق أشـرعـةخفـاقـة .. ألوانـهـا الـسـحـر
إني على العهد ، ما لونت  ساريتـيعلى الشراع ، ولن أبكي على الطرق
أنـت مازلـت انبلاجـا  كالضحـىوأنـا يطـوي شـراعـي الطـفـل
 
 
 
وإذا علمنا أن " الشراع " هو الرمز الذي سيختزل كل معاني السفر ، والرهق ، واللاستقرار ؛ أدركنا لماذا كان الحديث عن التمزيق ، والتقطيع ، وإنها لحالات تعتور الشاعر معنويا ، والشراع حسيا ، والملاحظ على الأبيات السابقة أنها إذ تقرن الأشرعة بالليل ، والطَّفَلِ ، والتسهيد ، تجعلها خفاقة ألوانها السحر ، وهذه الألوان لا تتغير ، مثلما أن الشاعر سيظل على عهده ، ولن يبكي على الطرق .
 
هذا ، ولعلي في نهاية هذه القراءة أختم بنص تتجسد فيه رؤيا اللاستقرار ، ممتدة إلى اللحظات السعيدة ، لتجعلها متذبذبة ، غير مستقرة ، من خلال استخدام ظرف المكان " بين " الذي يتأسس عليه النص عنوانا ، ومتنا . يقول شاعرنا في نص " بين بين " :
 
خبأ العيد بعيني
دمعتين
وبكفي جمرتين
فاختفى وجه طريقي
هاربا في غصتين
فلهذا يا صديقي
كان عيدي
( بين بين )


المشاركة السابقة
خاص بالادارة


القائمة البريدية


 

مواقع صديقة



 

Copyright© 2009  بإستخدام برنامج البوابة العربية 2.2
Copyright© 2005 ALHARBI WEBSITE DESIGNED BY
IJ4U