بواسطة: المحرر بتاريخ : السبت 12-07-1430 هـ 01:20 صباحا
ايقاعات الخروج من بوابة الفل
دراسة في المجموعة الشعرية
الخروج من بوابة الفل.
بقلم / الدكتور مقداد رحيم
الشاعر أحمد بن ابراهيم الحربي
حروفه تدل عليه !!
فهو يسكب من روحه ليصنعها قصيدة !!
يمتلك الخصال الشعرية الحقة ،
ويمتلك الجمال .. كل الجمال في التواصل والوفاء والأخلاق !!
لن أقول أكثر فشهادتي به مجروحة .
.فقط أتمناه بيننا في فضاءات ،
لأن وجوده وحضوره ثراء للنفس وللمساحات ..
ناهدة مولوي - لبنان.
****
**
إيقاعات الخروج من بوابة الفلّ
دراسة في المجموعة الشعرية
"الخروج من بوابة الفل"
للشاعر السعودي أحمد إبراهيم الحربي
الدكتور مقداد رحيم
يمسك الشاعر السعودي أحمد الحربي بريشته ليوقِّع بها على الورق أحاسيسه ومشاعره،
فتأتي قصائدهُ متلوِّنةَ الإيقاع،
حافلةً بالموسيقى، حتى تكاد هذه الموسيقى ترافقُ كلَّ حرف
من حروف قصائده، وهو في خلال ذلك يبدو مطمئنَّ الخطى،
واثقاً من أنَّ الشعر فن له، مثل الفنون الأخرى،
ضوابطه الخاصة به، ويبقى الإيقاع ضابطه الأول.
على أن أحمد الحربي لا يوصد الأبواب أمام القصيدة الحديثة
ولا ويتنكَّر للقصيدة المقفاة ذات الشطرين،
ففي مجموعته الشعرية "الخروج من بوابة الفل"
ثماني عشرة قصيدة توزعتْ بين هذه وتلك،
وكأنه يترك العنان للحالة النفسية التي تتطلب إيقاعاً دون إيقاع،
وشكلاً دون آخر، وبما أنه منحاز إلى موسيقى الشعر جملةً،
فقد رأيناه يجمعُ بين الموسيقى الداخلية التي تستند
إلى الوزن الشعري والتفعيلة في النص الشعري،
والموسيقى الخارجية التي تتوكأ على القافية.
وإذْ نراهُ يتخلَّى عن المسطرة في رصف الكلمات على شطرين،
فلا نجدهُ يتخلَّى عن القافية وهو ينوِّع في أطوال أسطر قصيدته الحرة.
وهذا يفسِّر لنا هيمنة القصيدة المقفاة ذات الشطرين على شعره،
وفي هذه المجموعة بالذات، فقد بلغ عددها إحدى عشرة قصيدة،
بينما وهبَ الحريةَ لستّ قصائد فقط،
و أثبتَ حسنَ النيةِ فجمعَ بينَ النمطين في قصيدة واحدة هي "غداً تأتين"!.
وفي هذه القصيدة يختار الشاعر مجزوء الوافر،
ليساعده على الانفراد بتفعيلةٍ واحدة هي "مفاعلتن"،
لاستخدامها في ذينك النمطين،
ولتكون القصيدة كلها منسجمة الإيقاع بمقاطعها الأربعة،
ويعمد إلى البدء بالنمط الحر ليكون انطلاقه إلى النمط المشطور
الأكثر تعقيداً انطلاقاً مقبولاً يتماشى وتصاعد نفس القصيدة. يقول في المقطع الأول:
غداً تأتين داليةً..
يمشطها صهيل الريح..
في روض الرياحين الجنوبيهْ..
وتنتشرين عبر الغيمة الخضراءِ
أفراحاً سماويهْ. (ص14).......
ويستمر خطابه لها في المقطع الثاني هكذا:
غداً تأتين عاشقةً
ويندلق الرحيق العذب
في شفتيكِ ألوانا
فيزهو قلبي الغرّيد ألحاناً وأشجانا. (ص15)
........
وينتقل في المقطعين الثالث والرابع من حرية الإيقاعِ إلى تقييده، معلناً عن تصاعد نبرة البوح بتصاعد دفق إحساسه واضطرابه، ففي المقطع الثالث يتحدث عن نفسه ويمنّيها بالأمل المرتجى إذا تحقق مجيء حبيبته:
غداً يـنثال موالي.......كعرس الرملِ والمطرِ
ويزرعني تسابيحاً........ أعود بها من السفرِ
وأدفنُ كلَّ أوجاعي...... ولحن الموت في وتري. (16)...........
أما المقطع الرابع فيبلغ فيه أعلى درجة من درجات الاضطراب، أو الحدَّة في الانفعال، فيجمع بين الحديث عن نفسه والحديث عن حبيبته، وما يمكن أن يصطدما به مما تخبِّئه الأقدار، وقد يضيع ذلك الأمل:
وقد تنسينَ موعدنا...... وأنسى فيك ميعادي
وترتج الجبال الخضر.......والشطآن والوادي
**
وقد تأتين بعد غدٍ....... فأشعل سقف أفكاري
ويحترّ الصقيع المرّ........ في صمتي، وقيثاري
وقد ذابتْ أمانينا........ وواراها جذا الوجدِ. (ص17)
.........
ويلجأ إلى شيءٍ من هذا التنميط في قصيدته "حصار".
إن هذا الخلط بين نمطين من الإيقاع يشير إلى قدرة خفية لدى الشاعر
على الاستجابة التلقائية للإيقاع الذي يتطلبه موضوعه،
وتنسجم معه نفسه ساعةَ نظم القصيدة،
وأقول التلقائية لأنني أفترض أن الشاعر لا يختار وزن قصيدته اختياراً واعياً،
ففي هذا الاختيار تتجلَّى الصنعة والافتعال،
وفي الاختيار التلقائي تتجلَّى خبرة الشاعر المخبوءة في ذاته واحتياطاتها المأمولة،
بعد أنْ نفض يديه من دراسة العَروض والصقل بالموروث من الشعر العربي ونماذجه المعتبرة.
وأغلبُ ما تنسجمُ معه نفسُ الشاعر أحمد الحربي من الإيقاعات الشعرية
هي الخفيف والوافر والكامل، وبها تتضح معالم انفعالات الشاعر،
وهي انفعالات لا تبدو حادةً، ولا تشفُّ عن شدّةٍ وهيجان واضطراب عنيف،
فإذا كان لإيقاعي الخفيف والوافر ما يؤهلهما
لحمل ما يختلجُ في نفسه من ذلك الاضطراب الهادئ،
فإنَّ في الكامل ما لا يتأتَّى معه ذلك، فلجأ الشاعر إلى إدخال الحَذَذ عليه،
فقطعَ التفعيلة الأخيرة من الصدر والعجز وأسقطَ منها الوتد المجموع برمتهِ،
فتصير تفعيلة "متفاعلن " متفا" وهي تعادل تفعيلة "فعلن"،
فيحدُّ بذلك من ثورة هذا الإيقاع، ويُطوِّعهُ لسيل عاطفته الهادئ،
ويمثل هذا قصائدهُ "وغداً يثور الجمر" التي يقول في مطلعها:
اليومَ جئتُ.. يزفني الوعدُ ........... وغداً سأرحلُ عنكِ يا (هندُ)
وقصيدته "صدى براثن البؤس" التي مطلعها:
رفعتْ عقيرة صمتها "سعدى" .......... يا بؤس قفْ، لن تبلغ الحدَّا
وقصيدته "وللأسئلة بقية!" التي كان مطلعها:
"دكتورُ" قلبي ضاقَ بالخُطُبِ ........... من عاث في أثوابه القشبِ؟
كما لجأَ الشاعر إلى الإضمار والقطع في ضرب "متفاعلن"
التي تقع في القوافي وأواخر الأبيات في سائر القصيدة،
في قصيدتين أخريين جاءتا على هذا الوزن، وهما "وقع العشية" التي مطلعها:
رفقاً بقلبِ الطاعن المسكينِ ......... مستلقياً حيثُ الندى المسكونِ
وقصيدته "شكراً..فراشة الأحلام" التي يقول في مطلعها:
شكراً..فقد أشعلتِ لي أفكاري ......... أذكيتِ فيها ثورة الأحرارِ
وقد عمد الشاعر إلى هذا الإيقاع ليساعده على تخفيف حدة الوقعِ في تفعيلة "متفاعلن"،
ثم بالغَ في هذا التخفيف فاستخدم حروف اللين والمد: الألف والواو والياء في كلمة القافية،
ليمتدَّ بها الصوت، ويصلح الإيقاع عندئذٍ لبوحه الهادئ حتى
وهو في وطأةٍ من الإحساس بالحزن والألم.
ونفس الشاعرُ لا تطيق حدة وزن الكامل،
ولذلك نجدهُ في قصيدة "الخروج من بوابة الفل"،
وهي قصيدة حرّة، يبنيها على تفعيلته "متفاعلن" عندما تمور نفسه بالاضطراب الشديد،
ولكنه سرعان ما يتخلَّى عنها إمّا بالتغيير نقصاً أو زيادة
ً فيها أو الانتقال إلى غيرها من التفعيلات الخفيفة، يقول في المطلع الأول:
من بين أوراقي القديمة تخرجينَ
وتفتحين القلعة الخضراء
باباً للسفرْ..
من بين أشلاء الدفاتر تهربين
وترفعين يد التحية للمدى
ممزوجةً برؤى المساءِ بلا قمرْ.......
وبعد هذه الأسطر الستة ينتقلُ إلى مقطعٍ ينتهي فيه الإيقاع بالمدّ والسكون،
وذلك غاية في التليين:
إني لمحتكُ..
تطبعين على يد البوابِ
قبلة فرحةٍ..
مخضوبةٍ بدمي وأحلام الجياعْ..
وتمرحينَ.. وترقصينَ..
كطائرٍ ذبحوهُ في لحنِ الوداعْ..
وخرجتِ من بوابة الفلّ النديّ
إلى حصون المترفينَ
بكلِّ ألوان الضياعْ.........
وفي قوله "وتمرحينَ" انتقال من "متفاعلن" إلى "مفاعلن"
الرجزية وهو شيء لا يجيزهُ علم العروض وقواعد الشعر،
ولكن نفس الشاعر التي عافت الحدَّة في المزاج عافت الحدّة في
"متفاعلن" كذلك والشاعر لا يدري، فالخروج عن الإيقاع هنا هو خروج
نفسي محض. ويستمر على هذا المنوال من تخفيف حدة الإيقاع في هذه القصيدة،
من حيث اعتماده على عنصر المدّ في الصوت من خلال حروف اللين
على نحو قوله في المقطع الثالث:
وهجرتِ فينا (قريةً)
مغروسةً بين البساتين الجميلهْ..
.......
كتبتْ بدمع البحر
أشجاناً على صدر الشراعْ
........
مازال يسكنُ كل أحلامي الدفينهْ
.............
ويتجلَّى نفور نفسه من حدة الإيقاع في المقطع الخامس من
هذه القصيدة عندما يعاف "متفاعلن" إلى "فاعلاتن" وهي لبحر الرمل وليست للكامل، فيقول:
ما عدتُ أعرف أن أفرّقَ
بين وجهي..والوجوه الوافدهْ
(متفاعلن)
بين عطري..والعطور الفاسدهْ
(فاعلاتن)
........
أما المقطع الأخير فيتخلى الشاعر فيه عن إيقاع "متفاعلن
نهائياً ويستبدله بإيقاع "فاعلاتن":
ليته انشقَّ القمرْ
قبل أنْ تغرقَ أحلامي
وأحلام العصافير الوليدهْ
قبل أنْ تأتي القصيدهْ
قبل أن تنبش ماضينا السحيقْ
بعدما ضاع الطريقْ..
في متاهات المدينهْ...
...........
وبذلك يكون قد بنى قصيدته على وزني
"الكامل" و"الرمل" لينتقل تدريجياً من الحدّة إلى الليونة.
وعلى نحو ما ذكرناه من لجوء الشاعر إلى تخفيف حدة
"متفاعلن" نجدهُ يلجأ إليه في قصيدته "فاطمة" على الرغم من أن موضوع القصيدة
يتطلب الحماس والثورة وهو يخاطب المناضلتين العربيتين جميلة بوحيرد وسناء محيدلي،
وكذلك في قصيدتيه "جوسي" و"بين أفنان المروج" اللتين تغرقان،
على العكس من ذلك، في بحر من الرومانسية. إنَّ إيقاعات الشاعر أحمد الحربي تشفُّ بدقةٍ ظاهرة عن إيقاعات روحه وخلجات نفسه،
فهل نحتكمُ إليها فنقرِّر أنه رجل هادئ الطبع، سهل العريكة،
ليس في طبعهِ حدّة، سريع الرضا إذا غضب؟.
--------------------------------------------------------------------------------